المقــدمـــة



لماذا هذا الكتيب؟

من المنطقي أن يتساءل زملاءنا وزميلاتنا من الأطباء عن سبب إصدار هذا الكتيب، فالأطباء هم المعالجون لآلام البشر، وهم بحكم طبيعة عملهم المحافظون علي حرمة الجسد والنفس، كمبدأين أساسيين لحقوق الإنسان منذ عرفت مهنة الطب والتداوي. إنهم السباقون إلى الحفاظ علي صحة وسلامة الفرد قبل أن تنص علي ذلك الاتفاقيات والمواثيق الدولية. فما هي إذن علاقة الأطباء بجريمة التعذيب، تلك الجريمة التي حرمتها كافة العقائد والقيم الإنسانية سواء ما ورد منها في الكتب السماوية أو الاتفاقيات الوضعية؟

قد يكون التساؤل في محله بشأن توجيه مثل هذا الكتيب خصيصا للأطباء، لكننا نتصور أن التساؤل قد يحل نفسه بعد الإطلاع عليه.

نحن زملاء وزميلات لكم، نصدر هذا الكتيب بعد أن علمنا في العلاج والتأهيل النفسي لضحايا العنف ما يربو عن عشر سنوات. وخلال السنوات العشر صاحبنا مئات البشر أثناء رحلة العلاج العضوي والنفسي، ورأينا أن بعض الأطباء، دون أن يدروا، قد يساهموا في مضاعفة آلام ضحايا التعذيب وقد يشاركوا في الجريمة بإعطاء الجناة فرصة للإفلات من العقاب وإهدار حق ضحايا التعذيب في ملاحقة المتهمين باقتراف تلك الجريمة الشنعاء.

أكثر حالات التعذيب التي تقابلنا هي حالات المعتدي عليهم داخل أقسام الشرطة، وأول تقرير طبي يتناول وصف الإصابات هو التقرير المبدئي الذي نقوم كأطباء بإصداره حال تحويل المواطن للمستشفي، والتي غالبا ما تكون أقرب مستشفي لقسم الشرطة، وقد تتطلب ظروف المصاب حجزه في القسم الداخلي بها. وكثيرا ما تكون ثمة علاقة بين قسم الشرطة والمستشفى القريب منه بحكم طبيعة عمل كل من الجهتين. وقد تسمح هذه العلاقة في بعض الأماكن بطلب ودي "لا يخلو من التكشير عن الأنياب" للمستشفي بعدم تسجيل بعض الإصابات أو كلها، أو عدم ذكر أقوال الشاكي "إدعاء تعذيب في قسم الشرطة" علي سبيل المثال. أو قد تكون قلة الخبرة بكيفية تسجيل الإصابات من وجهة النظر القانونية سببا في ضعف التقرير واعتباره سندا قليل الشأن أمام النيابة وبالتالي يهدر حق المواطن في التحويل للطب الشرعي. وهكذا، وبمنتهى حسن النية، نرتكب خطأين: خطأ إهدار حق ضحية التعذيب من جانب، والسماح للجاني بالإفلات من العقاب علي الجانب الآخر. كذلك هناك حالات حرجة يتم فيها تهديد الطبيب من أجل تغيير التقرير إذا رأي الضابط أنه ليس في صالحه. ويرجع ذلك إلى أن هناك إشكالية في النظام المعمول به للحصول علي التقرير الطبي من المستشفي، حيث أن الضحية يحول من القسم مع أحد العاملين بالشرطة، والأخير هو الذي يتسلم التقرير الطبي!!! وهنا تتاح فرصة الإطلاع على التقرير الطبي للمتهم بالتعذيب ويفتح أمامه المجال للضغط علي الطبيب لتغيير أقواله و/أو إيذاء الضحية لذات الغرض.

(مما يتنافى مع أبسط حقوق الإنسان في الاحتفاظ بسرية المعلومات المتعلقة به).

في الحالة الأخيرة، نصبح نحن أيضا في وضع قد يعرضنا لخطر الانتقام. ومن هنا لابد من وجود آلية تحمى الأطباء من هذا الخطر. والى حين توفير تلك الآلية الحمائية يعود الأمر فقط لضميرنا المهني والإنساني، ومدى التزامنا بالقسم الطبي والمواثيق الدولية المتعلقة بالعاملين بالمهن الطبية.

حالات التعذيب الأخرى التي قد نصادفها تتم في السجون وأماكن الاحتجاز المختلفة حيث وللأسف الشديد يتم التعذيب أحيانا في وجود طبيب تكون وظيفته هي تحديد مدى تحمل الإنسان لهذا النوع أو ذاك من أساليب التعذيب، أو إفاقته في حال فقدان الوعي حتى يتمكن معذبوه من استكمال عملهم!! أو علاجه بأمر من أصحاب السلطة بالمكان لإخفاء الآثار الناتجة عن التعذيب. كما قد يطلب من الطبيب تغيير أسباب الوفاة حال موت الضحية تحت التعذيب أو بسببه.

كذلك قد يكون الطبيب منتدبا في السجن – فقط - لعلاج المرضي. أي أنه يخضع وظيفيا لهيئة أخري غير مصلحة السجون ويصادف إصابة يشتبه في كونها ناجمة عن التعذيب، أو يستدعى طبيب الصحة لفحص حالة وفاة فيجد في الجثة إصابات تثير الشك بأنها قد تكون ناتجة عن تعرض المحبوس لتعذيب أفضى إلى الوفاة.

ولا يخلو الأمر من مشاكل للطبيب في كل هذه الحالات. فالأطباء العاملين في مصلحة السجون يمكن إيذائهم وظيفيا حال انحيازهم لمصلحة المصاب أو المتوفى كما تمليه عليهم آداب المهنة والضمير. والأطباء المكلفون فقط ويتبعون وزارة الصحة يمكن إيذاءهم بأشكال أخري أو تهديدهم بالإيذاء. أما هؤلاء المشاركون في التعذيب والمتواطئون فلهم وضع خاص وتقع علي نقابة الأطباء مهمة الوصول إليهم، ومحاسبتهم وفقا للائحة آداب المهنة.

نعود لنؤكد إنه لابد من وجود حماية للأطباء الذين قد يتعرضون لمخاطر بسبب التزامهم بواجبات وآداب مهنتهم، وإلي هذا الحين لذلك فليس أمامنا إلا محاولة تغليب مصلحة المريض والمصاب تحت أي ظرف من الظروف، لنحتفظ لأنفسنا ولمهنتنا بما يليق بها من سمعة طيبة.

الزملاء الأعزاء:

سنتناول في كتيبنا هذا جزءا عن التعذيب بشكل عام، مع إبراز عدد من الحالات التي توضح ما يحدث لضحية التعذيب في حالة الأخطاء المهنية. وسنضع أمامكم بعض الفقرات من المواثيق الدولية، والقوانين المحلية التي تتناول دور العاملين في الحقل الطبي إزاء جريمة التعذيب. وأخيرا سنوضح الطريقة المثلى لكتابة التقرير الطبي المبدئي في مثل تلك الحالات.

نرجو أن يقدم هذا العمل جديداً للأطباء كما نرجو أن تفيدونا بآرائكم ، فقد يمكننا ذلك من إصدار عمل آخر أكثر جدوى يستند إلى الاحتياجات الفعلية التي ستوضحونها لنا. ونأمل أن نستطيع معا، ولو من خلال عملنا المهني فقط، أن نحاصر تلك الجريمة، ولتكن تلك مساهمتنا في بناء وطن خال من التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان.. وطن نعيش فيه معا آمنين علي أجسادنا وصحتنا وبيوتنا وعائلاتنا.

الزملاء الأعزاء:

أرفقنا داخل هذا الكتيب استمارة استطلاع رأي، وظرف به العنوان وطابع البريد. نرجو أن يكون في ذلك تيسيرا عليكم لموافاتنا بآرائكم.

أسرة النديم

الفصل الأول

التعذيب في الدستور والقانون والمواثيق

أولا: التعذيب في الدستور المصري :

ينص الدستور المصري على أن "كل مواطن يقبض عليه أو تقيد حريته بأي قيد يجب معاملته بما يحفظ عليه كرامته، ولا يجوز إيذاءه بدنيا أو معنويا" (المادة 42) وأن "الدعوى الجنائية أو المدنية الناشئة عن التعذيب لا تسقط بالتقادم" (المادة 57).

هذا ما نصت عليه النصوص الدستورية العامة، أما تفصيل الأمر فيأتي في قانون العقوبات علي نحو مخل.

ثانيا: التعذيب في القانون المصري :

تناول القانون المصري تعريف جريمة التعذيب ووضع لها عقوبات في القانون الجنائي، وان كان تعريف جريمة التعذيب في القانون قد شابه القصور، إلا أن مصر عضو في الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب التي تبنت تعريفا أشمل لتلك الجريمة، وهناك تعريفات أخرى لمنظمات معنية بالشأن الطبي كمنظمة الصحة العالمية. فعلي الرغم من تجريم الدستور للتعذيب، ونصه علي عدم سقوط الجريمة بالتقادم إلا أن قانون العقوبات وضع شروطا لاكتمال أركان الجريمة فأصابت القانون بالقصور التشريعي، حيث يشترط لتوافر أركان هذه الجريمة شرطان: أولا، لابد أن تكون قد تمت في حق متهم، ثانيا، أن تتم لإجباره علي الإدلاء باعترافات أو معلومات.

تنص المادة 126 من قانون العقوبات المصري أن: "كل موظف أو مستخدم حكومي أمر بتعذيب متهم أو فعل ذلك بنفسه لحمله علي الاعتراف؟؟؟، يعاقب بالأشغال الشاقة أو السجن من 3 : 10 سنوات. وإذا مات المجني عليه يحكم بالعقوبة المقررة للقتل العمد.

بينما تقدر العقوبات في جريمة استخدام القسوة بما في ذلك هتك العرض بعقوبات لا يمكن أن تكون رادعا لاستخدام التعذيب، "فدية" المواطن لا تتجاوز مائتي جنية مصري إن لم توافيه المنية، أما لو لقي حتفه تحت التعذيب "فديته" سنه حبس للجاني وقد تكون مع إيقاف التنفيذ ؟!! وكما ذكرنا أنه مهما كانت جسامة الإصابات الناتجة عن تعرض الضحية للتعذيب فهي تعتبر وفقا للقانون مجرد جريمة استخدام القسوة، وذلك لغياب أركان جريمة التعذيب كما تنص عليها المادة 126. والمشكلة في هذا التحديد أنه لا يمتد ليشمل مئات الضحايا الذين تم تعذيبهم لغرض التأديب أو لمجاملة طرف ثالث. كما لا يشمل هؤلاء الذين يجري تعذيبهم للضغط على طرف آخر موضع اشتباه "غالبا من أفراد العائلة" وإجباره على الاعتراف بجريمة ما، أو لتسليم نفسه إن كان هاربا، وهو ما يعرف بسياسة احتجاز وتعذيب الرهائن. وفي تلك الحالات التي لا تتوفر فيها أركان التعريف القانوني يتم تكييف القضية من جريمة تعذيب إلي جريمة استخدام قسوة. وفي حال وفاة الضحية أثناء التعذيب أو بسببه، يتم التعامل معها وكأنها جريمة ضرب أفضى إلي موت، أو قتل خطأ أثناء تأدية موظف عام لمهام تمليها عليه وظيفته؟؟ والنتيجة أن قتل مواطن قد تكون عقوبته سنه سجن وقد يكون ذلك مع إيقاف التنفيذ أو الاكتفاء بالعقوبة الإدارية التي قد لا تتجاوز خصم عدة أيام من الراتب، حيث تنص المادة 129 من قانون العقوبات علي أن "كل موظف أو مستخدم عمومي وكل شخص مكلف بخدمة عمومية استعمل القسوة مع الناس اعتمادا علي وظيفته بحيث أنه أخل بشرفهم أو أحدث آلاما بأبدانهم يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بغرامة لا تزيد على مائتي جنيه"!!

ثالثا: الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية :

يأتي نص المادة الأولي في اتفاقية مناهضة التعذيب ليضع إطارا أوسع لجريمة التعذيب، حيث لم يقتصر التعريف علي حالات الاتهام أو الاشتباه للحصول على اعتراف فقط، بل شمل أيضا تعذيب إنسان لغرض المعاقبة أو لحمل طرف آخر علي الاعتراف. تنص المادة الأولى من الاتفاقية على أنه:

"يقصد بالتعذيب أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسديا كان أو عقليا، يلحق عمدا بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص أو من شخص ثالث علي معلومات أو علي اعتراف، أو معاقبته علي عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه هو أو شخص ثالث، أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب يقوم علي التمييز أيا كان نوعه. ويشمل كذلك التعذيب الذي يحرض عليه، أو يوافق عليه، أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية".

وليس معنى قصور التعريف في القانون المصري ألا نولي نفس الدرجة من الاهتمام للتعذيب الذي يتم لغرض آخر غير الحصول علي المعلومات، يائسين من إمكانية رد الاعتبار لتلك الضحية وفقا لنص القانون المصري، فالمحامون يلجئون للاتفاقيات الدولية كجزء مكمل للقانون وفقا للالتزامات التي وقعت عليها الدول الأعضاء في الاتفاقية. والمهتمون بحقوق الإنسان يخوضون نضالا ضاريا من أجل وقف التعذيب، بما في ذلك الضغط من أجل تغيير مواد القانون التي تعيق رد الاعتبار لضحايا التعذيب وإفلات الجناة من العقاب. فالأمر في كل الحالات يجب أن يأخذ نفس الأهمية والعناية، متذكرين أن مقاومة التعذيب تخص كل منا وليس "الآخرين" فقط، فأي منا قد يتعرض لتلك التجربة القاسية هو نفسه أو أحد أقاربه أو أفراد أسرته، إن الضحايا ليسوا بالضرورة مذنبين، وحتى بالنسبة للمذنبين منهم فهناك من مواد القانون ما هو مناسب لكل جريمة وفقا لرأي المشرع.

إننا إذ نتضامن كل في مجال عمله من أجل مناهضة التعذيب، لا نقوم بالدور الذي تمليه علينا طبيعة مهنتنا الإنسانية وحسب، ولكننا أيضا نحمى أنفسنا وذوينا من احتمال مصير مشابه. إن تفشي ظاهرة التعذيب في مصر لم يترك أحدا خارجها وقد سمعنا عن زملاء لنا تم تعذيبهم في قضايا تخص الرأي، وآخرون من أصحاب المهن التي تمثل أعلي السلم الاجتماعي ولم تعفيهم مناصبهم من المعاملة القاسية أو التعذيب.

إننا جزء من ذلك الوطن الذي نعيش فيه وذلك الذي نتمناه.. ما يصيبه يصيبنا، شرا كان أو خير، لكنه في كل الأحوال وطننا ويحق لنا أن نتمتع فيه بكافة حقوق المواطنة كما يحق لنا أن نرسمه كما نريد لنا ولأولادنا وأن نسعى معا لتحقيق ذلك الحلم. لو تكاتفنا لن يكون ذلك أمرا مستحيلا.

رابعا: المواثيق الخاصة بآداب مهنة الطب:

لا يختلف اثنان حول الهدف الأساسي لمهنة الطب، فقد نصت كل الديانات السماوية والحركات الإصلاحية والقوانين الوضعية علي أهمية رعاية المريض بدنيا ونفسيا والتعامل معه بروح الود والعطف وتفهم آلامه ومعاناته، ولم يقتصر التراث الإنساني علي التأكيد علي علاج المرضى والمصابين عموما بل امتد ليشمل حقوق المصابين من أسري الحروب "أعداء الوطن" والمتهمين باقتراف جرائم، بل من ثبت اقترافهم للجريمة وأصبحوا بين أيدي العدالة أو في السجون. وفي مصر، شأنها كشأن الكثير من دول العالم، لا يتم التعامل مع تقييد الحرية على كونها مجرد عقوبة فحسب، بل هي أيضا فرصة للتهذيب والإصلاح، وإعادة دمج الخارجين علي المجتمع داخل منظومته الأخلاقية.

وإن كان للإنسان عموما الحق في تلقي الخدمة الطبية، فمن الأولي إيلاء رعاية خاصة لهؤلاء المحرومين من حق اختيار الطبيب المعالج أو مكان العلاج بحكم كونهم مقيدي الحرية، وبحكم تعرضهم لمخاطر صحية أكثر من غيرهم لعدم توافر الغذاء الصحي، ولتكدس المحتجزين معظم اليوم في عنابر لا تدخلها الشمس وسيئة التهوية، ناهيك عن نوعية أماكن النوم التي لا تسمح بتنظيفها أو تهويتها فتكون بيئة مناسبة لنمو الميكروبات والفطريات. وجدير بالذكر أن الأوضاع الموجودة داخل أماكن الاحتجاز لا يفترض فيها أن تكون جزءا من العقوبة، فالعقوبة، وفقا للقانون، هي تقييد الحرية وليس إيداع المسجونين في أوضاع تضر بالصحة، سواء كانت صحة المحتجزين أو صحة المجتمع الذي سينضم إليه هؤلاء المفرج عنهم يوما ما. إن هذه الأوضاع تمثل بلا شك انتهاكا لحقوق المحتجزين وحقوق المجتمع معا.

ونظرا للوضعية الخاصة للمحتجزين فقد اهتمت المنظمات الدولية بتوضيح العلاقة الوثيقة بين مفاهيم حقوق الإنسان وآداب ممارسة مهنة الطب. ويتجلى ذلك في وثائق الأمم المتحدة، والمنظمات الممثلة لممارسي المهن الصحية على المستوى الدولي، ونقابات الأطباء علي المستوى الوطني. وقد كان العامل المشترك بين جميع المواثيق هو كون الواجب الجوهري يلزم الطبيب بالتصرف علي النحو الذي يُعلي من شأن مصالح المريض أو المصاب علي الوجه الأمثل، دون وضع اعتبار لأي موانع أو ضغوط أو التزامات تعاقدية أخري. ويشمل ذلك إتاحة الخدمات الطبية، بما في ذلك خدمات الطب النفسي، لجميع السجناء بلا تمييز، وعيادة يومية لطالبي العلاج1. كما تناولت الأمم المتحدة الالتزامات الأخلاقية للأطباء وغيرهم من ممارسي المهن الصحية بصورة محددة في نصوص "آداب مهنة الطب المتصلة بدور الموظفين الصحيين، ولاسيما الأطباء، في حماية المسجونين والمحتجزين من التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة*" وتوضح الوثيقة أن علي ممارسي المهن الصحية واجب أخلاقي يتمثل في حماية الصحة البدنية والعقلية للمحتجزين. فمن المحظور علي الأطباء علي وجه التحديد استخدام معارفهم أو مهاراتهم الطبية علي أي نحو يتنافى مع حقوق الفرد المقررة في المواثيق الدولية، كما أن القيام، سواء بصورة إيجابية أو سلبية، بأعمال تشكل مشاركة في التعذيب أو تغاضيا عنه يعد مخالفة جسيمة لآداب المهنة.

تشمل المشاركة في التعذيب تقييم قدرة المحتجز علي تحمل إساءة المعاملة، أو الحضور أثناء التعذيب أو الإشراف عليه، أو تقديم العلاج الطبي قبل التعذيب مباشرة، أو أثناءه. كذلك إنعاش الأفراد من أجل مواصلة التعذيب، أو تقديم العلاج الطبي بعد التعذيب مباشرة بناء علي تعليمات من يرجح كونهم مسئولين عن التعذيب. كما يعد مشاركة في التعذيب إتاحة المعرفة المهنية؟؟؟ أو البيانات الصحية الشخصية عن المحتجز لمرتكبي التعذيب، وكذلك التجاهل المتعمد للأدلة وتزوير التقارير الطبية للناجين من التعذيب، أو تقارير الوفاة أو تقارير تشريح الجثث لمن لقوا حتفهم أثناء التعذيب أو بسببه.

وتؤكد المواثيق الدولية علي أن العلاقة الوحيدة المسموح بها من الوجهة الأخلاقية بين المسجون وممارسي المهن الصحية هي العلاقة التي يكون القصد منها تقييم وحماية وتحسين صحة المسجونين.

تتفق في ذلك المعنى المواثيق الصادرة عن الهيئات المهنية الدولية كالجمعية الطبية العالمية، والجمعية العالمية للطب النفسي، والمجلس الدولي لممارسي مهنة التمريض، والإعلان الصادر عن المؤتمر الدولي للطب الإسلامي الصادر عام 1981 والذي نص علي أنه "يحظر علي الأطباء استخدام معارفهم المتخصصة للتسبب في ضرر أو تحطيم أو أذى للبدن أو العقل أو الروح أيا كان السبب العسكري أو السياسي الكامن وراء ذلك". كما يوجه الحديث للأطباء مطالبا إياهم: "أن ينصرفوا إلي رعاية المحتاجين سواء كانوا من القريبين أو البعيدين، من أهل الفضيلة أو الرذيلة، من الأصدقاء أو الأعداء".

وفي قرارات الجمعية الطبية العالمية تأكيد علي أهمية أن يناصر ممارسوا المهن الصحية زملائهم الذين ينددون بانتهاكات حقوق الإنسان، ويطالب الجمعيات الطبية الوطنية باستعراض حالة حقوق الإنسان في بلدانهم، وضمان عدم لجوء الأطباء إلي إخفاء آية أدلة علي وقوع الانتهاكات خوفا من الانتقام منهم. ويطالب الجمعيات الوطنية بضرورة إيجاد آلية لمحاسبة الأطباء في مخالفة آداب المهنة في مجال حقوق الإنسان. ويشدد علي واجب المنظمات المحلية في حماية الأطباء الذين يكشفون عن انتهاكات حقوق الإنسان وتقديم الدعم والمساندة الضروريين لهم.

إلا أن الإشكالية التي قد تواجه الأطباء هي عدم وجود نصوص قطعية لمعالجة المشكلات التي قد تواجههم. على سبيل المثال، قد تنتابنا الحيرة بين واجب علاج إصابات التعذيب حفاظا علي صحة الضحية وبين الخوف من تقديم الرعاية الصحية قبل تحويل الضحية للطب الشرعي لإثبات ما به من إصابات، أو بين الحفاظ علي سرية المعلومات وأهمية الكشف عن الانتهاكات. ولعدم وجود نصوص قطعية بشأن ذلك، يجب على الأطباء أن يضعوا المصلحة المثلي للضحية أمام أعينهم قبل أي اعتبار آخر، وأن يتصرفوا وفقا لما تمليه عليهم أخلاقهم وضميرهم المهني، واضعين في الاعتبار رأي ضحية التعذيب ذاتها في حال كونه راشدا وكامل الأهلية. وعلي الطبيب توضيح البدائل التي يمكن التصرف في إطارها ومميزات وعيوب كل منها حتى تتاح لضحية التعذيب فرصة الاختيار عن علم. وإن كان ضحية التعذيب فاقدا للوعي ولا يوجد بصحبته أي من أقاربه، فعلي الطبيب التصرف وفقا لظروف كل حالة علي حده، واضعا مصلحة الضحية في المقام الأول. وعليه في كل الأحوال عمل تقرير طبي دقيق موضحا به الإصابات وترجيح أسبابها وتسجيل سبب الإصابة وفقا لمعارفه الطبية وبعد الاستماع لرواية الضحية أو مرافقيه، بحثا عن الصلة بين أقوال الضحية وبين الإصابات التي يكشف عنها الفحص العضوي والنفسي.

الفصل الثاني

الممارسة المهنية وازدواجية الالتزامات

تقع علي بعض ممارسي المهن الصحية التزامات مزدوجة، فهم مدينون للمريض برعاية مصالحه المثلي، كذلك عليهم واجب عام تجاه المجتمع يقضي بضمان العدالة واحترام حقوق الإنسان، والتصدي لأي انتهاك لتلك الحقوق. وينشأ الازدواج في الالتزامات بشكل خاص لدي الأطباء العاملين مع الشرطة أو في السجون أو القوات المسلحة أو الدوائر الأمنية الأخرى. فقد تتعارض مصالح الهيئة التي تستخدمهم مع مصلحة المريض، أو ضحية التعذيب، أو مع مصالح زملاء آخرين في نفس الهيئة.

وكما سبق وذكرنا فلا بد من إعلاء مصلحة المريض بصرف النظر عن أي اعتبارات أخري، وإن كان المريض أو المصاب قاصرا أو فاقدا للوعي فعلي الطبيب التصرف باعتباره مدافعا عنه وعما يعود عليه بالمصلحة.

وقد تصل إزداوجية الالتزامات في مواضع أخري لوقوع تعارض بين آداب المهنة وبين القانون، خاصة فيما يتصل بسرية المعلومات الطبية الخاصة بالمريض، وهناك توافق عام في الرأي بين المواثيق الدولية والمحلية تلزم الأطباء بالرضوخ لآداب المهنة التي تحمي مصالح المريض دون أي اعتبار آخر حتى لو كان أمر القانون.

وفي بعض الحالات قد يتضارب التزامان أخلاقيان. فالمبادئ الخاصة بممارسة مهنة الطب تتطلب الإبلاغ عن التعذيب أو إساءة المعاملة للمسئولين، وقد يرفض بعض ضحايا التعذيب ذلك، أو يرفضون الفحص الذي يتم بناء عليه نتيجة لخوفهم من الانتقام منهم أو من أسرهم، أو قد يكونوا تعرضوا لانتهاك جنسي ولا يريدون البوح به لإحساسهم بالعار و الخجل أو خشية من الوصمة الاجتماعية. هنا يجد الأطباء أنفسهم في مأزق الاختيار بين حق الضحية، وحق المجتمع في تقديم مرتكبي الاعتداءات للعدالة. هنا يلزم علي الطبيب الأخذ بقاعدة تجنب الضرر، والسعي إلي حلول تعزز العدالة دون الإخلال بحق الفرد في السرية. وإذا تعذر ذلك يمكن اللجوء إلي الجهات الموثوق بها سواء كانت تابعة لنقابة الأطباء أو لمنظمات غير حكومية معنية بهذا الشأن. علما بأن كثير من الضحايا قد يوافقون الطبيب علي إفشاء أسرارهم الطبية المتعلقة بالتعذيب بعد التشجيع والمساندة غير المشروطة من قبل الطبيب والمعنيين بحقوق الإنسان.

ولابد كذلك من التمسك بالاستقلال المهني. فعلي الأطباء عدم التقيد بأي قيد من شأنه الإضرار بالصحة الجسدية أو النفسية للمريض. كما عليهم كأطباء الانتباه لذلك عند صياغة عقود العمل ووضع الشروط التي تضمن الاستقلال المهني اللازم لاتخاذ قرارات إكلينيكية صحيحة. وكذلك حفظ سجلاتهم الطبية علي نحو يضمن الحفاظ علي سريتها، والاعتراض علي تصرف السلطات في الجهة التي يعملون بها إذا كانت تلك التصرفات تؤذى أو يمكن أن تمثل ضررا على صحة المحتجزين. كذلك على الأطباء واجب متابعة الحالة الصحية للمريض وإبلاغ السلطات العامة في حالة وجود خطر ولو محتمل علي حياة أو صحة المحتجز، وإن كان في هذا الإبلاغ خطر أشد علي صحة أو حياة المحتجز أو أسرته يجب إبلاغ المنظمات المحلية أو الدولية المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان.

في حالات أخرى يكون الأمر فيها أبسط من ذلك، مثل علاج ضحية التعذيب في مستشفي عام. هنا يبرز الواجب الأخلاقي الخاص بالقواعد العامة لسرية المعلومات الطبية، ويكون الإبلاغ عن أدلة التعذيب أمرا سليما للغاية، وهو ما تمليه القواعد القانونية المعمول بها والتي تقضى بضرورة الإبلاغ عن الحالات التي يحتمل وجود شبهه جنائية وراء إصابتها.

وفي حال تحويل المريض أو ضحية التعذيب من السجن أو قسم الشرطة، علي الطبيب إلى جانب القيام بواجبه في كتابة التقرير الطبي السليم، أن يرفض علاج المريض وهو مقيد من يديه أو ساقيه، ويرفض ربطه في السرير، ويرفض أن يقف الحارس الخاص بالسجن أو القسم داخل غرفة المرضي وحضوره الكشف الطبي أو عمليات الغيار أو ما شابه، ويكتفي بوجود الحراسة التقليدية علي باب حجرة المريض، حفاظا علي حرمه المريض والمرضى الآخرين الموجودين بنفس الغرفة.

وفي مجال عملنا في تأهيل ضحايا التعذيب وجدنا مخالفات كثيرة لآداب المهنة (سنذكر بعضا من هذه الحالات تفصيلا فيما بعد) فقد تكون اللوائح الداخلية للمستشفي سببا في مضاعفة إصابة المريض البدنية والنفسية، كأن يصل ضحية التعذيب إلى المستشفي في حالة سيئة للغاية، ولكن بعد انتهاء فترة العمل بالعيادات الخارجية، ويرفض الطبيب المناوب بقسم الاستقبال فحص المريض أو إدخاله للقسم الداخلي بالمستشفي لأن الإصابة قديمة نسبيا أو غير حادة أو غير حرجة والحالة بذلك حالة "عيادة خارجية" وفقا للوائح المعمول بها في المستشفيات العامة. أو قد يلجأ من قام بالتعذيب بتحويل المصاب لمستشفي ليس من طابع عملها عمل تقارير طبية قانونية أولية كمستشفيات الحميات، ويتم بذلك تزوير التشخيص في تذكرة المريض، وفي التقرير الطبي عند طلبه من المستشفي. وفي حالات أخري يتم تحويل المريض لأحد المستشفيات النفسية وغير ذلك من أشكال التحايل من قبل المتهمين بالتعذيب والتي يشارك الأطباء فيها دون أن يدركوا جسامة ما يقترفون من خطأ في حق الفرد والجماعة، وأخلاق المهنة وسمعتها.



الفصل الثالث

القواعد التي يجب إتباعها عند فحص مقيدي الحرية*

  1. ضرورة فحص كل محتجز فور احتجازه وكتابة تقرير مفصل عن حالته الصحية الحالية والتاريخ المرضي وأية علامات بالجسد كالجروح القديمة، والإصابات الحديثة والتي يحتمل أن تكون قد حدثت أثناء القبض عليه أو فور وصوله لمكان الاحتجاز وقبل إجراء الكشف الطبي، وتسجيل ما إذا كان المحتجز بكامل وعيه أو أن هناك اختلال بالوعي نتيجة إصابة أو كونه تحت تأثير مخدر.

  2. إعادة فحص المحتجز علي فترات دورية، أثناء الاستجواب، وقبل الترحيل، وقبل الإفراج عنه، وكلما اقتضت الضرورة ذلك.

  3. تطعيم المحتجز فور حجزه ضد الأمراض الوبائية والمتوطنة، خاصة الجدري والتيفود.

  4. ضرورة عزل المحتجزين المصابين بأمراض معدية.

  5. مراقبة الصحة البدنية والعقلية والنفسية للمحتجزين.

  6. معاينة الظروف الحياتية للسجناء والمحتجزين، وبشكل خاص للمرضي والمصابين، وتقديم تقرير خاص يشمل نوعية الغذاء وكميته، وقواعد النظافة والصحة العامة بمكان الاحتجاز، وحالة المرافق الصحية والإضاءة والتهوية، ونظافة ملابس السجناء ولوازم الأسِّرة.

  7. إبداء الرأي لمدير السجن بوقف بعض العقوبات أو تغييرها إذا رأي الطبيب أن ذلك ضروريا لأسباب تتعلق بالصحة البدنية أو النفسية للسجين.

  8. ضرورة أن يحتفظ الطبيب بسجلات دقيقة لكل حالة، يدون فيها جميع الأمور المتعلقة بالصحة والعلامات الجسدية المميزة، والحالة النفسية، والشكاوى المتعلقة بالصحة أو بسوء المعاملة. كما يتعين معاملة هذه السجلات بسرية تامة مع إمكانية إبلاغ أسرة المحتجز، إذا طلب المحتجز ذلك أو وافق عليه بناء علي اقتراح الطبيب.

  9. ضرورة تحرير تقرير طبي عن أي إصابة تلحق بالمحتجز.

  10. نقل المحتجز المريض للمستشفي عندما تستدعي حالته ذلك.

  11. الكشف علي أي مسجون قبل نقله لسجن أو مكان احتجاز آخر والتأكد من خلوه من أي مرض قد يعرض حياته للخطر، والإشارة بوسيلة الانتقال المناسبة للمرضي والمصابين.

  12. يجب عدم تعريض المحبوسين لتجارب الأبحاث الطبية بدون موافقة كتابية من المحبوس وبعد شرح واف للآثار الجانبية التي قد تصيب الإنسان نتيجة هذه التجارب.

  13. إعداد تقارير طبية دقيقة عن الإصابات الناتجة عن التعرض للتعذيب أو إساءة المعاملة. كما يمكن الاستعانة بالصور لفوتوغرافية وكذلك تحديد الإصابات علي الرسوم التوضيحية.

  14. يراعي في كل التقارير الدقة التامة وعدم الحذف أو الإضافة لأنه قد يتم الاستعانة بتلك التقارير أمام القضاء.



الفصل الرابع

نماذج لضحايا تعذيب أضيروا بسبب الإهمال الطبي

المواطن: ربيع سليمان*

ربيع سليمان مواطن من محافظة الفيوم. ألقي القبض علية عام 1998 ولاقي في مركز شرطة سنورس-محافظة الفيوم- من صنوف التعذيب أشكالا وألوانا، حتى يعترف بجريمة سرقة مواشي. ولأن ربيع من أسرة ميسورة الحال ولديه ما يكفيه من المواشي وبساتين الفاكهة وعلى الأغلب انه لم يكن في حاجة لسرقة جاموسة من مرشح مجلس الشعب الذي لم يسانده ربيع في الانتخابات النيابية، لذلك رفض ربيع الاعتراف بالتهمة الموجه إليه.

تم عرض ربيع علي النيابة المختصة بعد أربعة أيام من التعذيب، وأمرت النيابة بإطلاق سراحه. لكن الضابط لم ينفذ أمر النيابة، وأصر علي الحصول علي اعتراف بالسرقة من ربيع. هدده الضابط، إن لم يعترف، فسيسكب عليه "جاز وسخ" ويشعل فيه النار. لم يصدق ربيع واعتبر الأمر مجرد تهديد وأصر علي عدم الاعتراف، فحجزه الضابط في حجرة انفرادية بالدور الثاني في قسم شرطة سنورس.

غفا ربيع من شدة الإعياء، ليستيقظ والنار قد التهمت نصف جسده. ينقله العاملون بالقسم لمستشفي الفيوم العام التي تسجل علي تذكرة الدخول أمام بند الاسم "مجهول". يصل أخوه للمستشفى فلا يصدق ما رأت عيناه.. يجري لإحضار من يلتقط عددا من الصور لأخيه وللحجرة القذرة التي يرقد فيها. بعد أيام يضطر لنقل أخيه لمستشفي أم المصريين سعيا وراء رعاية أفضل. ولكن بعد أيام تقرر مستشفي أم المصريين نقل ربيع إلي مستشفي حميات إمبابة بدعوى إصابته بمرض الصفراء (بالتهاب كبدي وبائي)، علي الرغم من أن تذكرة المريض مسجل بها تسمم كبدي "نتيجة السموم الناتجة من تحلل الأنسجة المحترقة". ترفض حميات إمبابة استقبال الحالة بدعوى أنها غير متخصصة في الحروق ودون عمل آية فحوص للصفراء ولو علي سبيل استبعاد وجود فيروس كبدى وهو أمر وارد أيضا خاصة أن في مثل تلك الحالات يحتاج المصاب إلي نقل الدم أو البلازما. يضطر الأهل إلى نقل ربيع إلي مستشفي القصر العيني الذي يرفض بدوره استقبال الحالة لأن الجروح تلوثت في الرحلة التي لا تنتهي بين المستشفيات. ومن القصر العيني لمستشفي الزراعيين، ومنها إلي إمبابة مرة أخري.

مستشفى حميات إمبابة تقبله هذه المرة وتحاول بعد أيام قليلة تحويله إلي مستشفي إمبابه العام.. عدة مرات يتم نقل ربيع إلى مستشفى إمبابة العام وترفض إمبابة العام استقباله، فهو عادة ما يصل بعد انتهاء العمل بالعيادات الخارجية، والتي تنهى عملها قبل مواعيد العمل المتعارف عليها. أما قسم الاستقبال فهو فقط للحالات "الطازجة".

ينتقل عم ربيع بتاكسيات ونسبة الحروق في جسده تصل إلي 45% وهي حروق من الدرجة الثالثة، وأخذت من بين ما أخذت الفخذ والإلية، ولا أستطيع أن أتصور حتى اليوم نوع الآلام التي كان يعانيها ربيع في جولاته اليومية بين المستشفيات دون علاج ولا رعاية طبية أو نفسية لجراحه. لم يحاول الأطباء في مستشفي إمبابة العام كسر الروتين واستقبال ربيع، ولو من باب الإشفاق عليه وعمل اعتبار لصعوبة حركته وأنه في كل مرة يأتي فيها للمستشفي العام عليه أولا أن ينتظر موظف الحميات ليعطيه تحويلا جديدا. كما لم يتصرف الأطباء بالقصر العيني بوضعه في غرفة خاصة بالجروح الملوثة، لم يفكر واحد من الأطباء في المضاعفات الناتجة عن إهمال العلاج، حتى وصل الأمر إلي إجبار ربيع علي الخروج من الحميات عشية عيد الفطر بسبب أجازه العيد!!!

بعد معاناة نجح أطباء مركز النديم في استصدار قرار علاج علي نفقة الدولة بمستشفي الدمرداش حيث رقد ربيع شهرا آخر، وفي فبراير 1999 توفى ربيع متأثرا بآثار تعذيبه حرقا.. ترك مستشفي الدمرداش وذهب إلى حيث الراحة الأبدية من معاناة التعذيب، وألم الجراح، ورحلة العذاب بين المستشفيات.



















توضح الصورتان أجزاء من إصابات المواطن ربيع سليمان

موسى أحمد موسى*

موسى مواطن فقير من أحد عشوائيات مدينة الإسكندرية، جند في صفوف الأمن المركزي عام 97، وفي شهر مايو من هذا العام ذهبت أسرته لزيارته في الوحدة المجند بها في القاهرة، فلم تجده في المعسكر وأخبرها أحد المسئولين عن معسكر التدريب أنه مريض وتم نقله لحميات العباسية. ذهب أهله للمستشفى المذكور. أصطحبهم تومرجى من العاملين بالمستشفي إلي حيث يرقد موسى. وأخبرهم في الطريق" أن موسى مضروب علقة موت". وصلوا لموسى لكنه لم يتعرف عليهم. فقد كان يرقد في غيبوبة، وتفوح منه رائحة عفنة. فحصوا الجثة؟؟؟ التي لا هي حية ولا ميتة، وإذا بديدان تخرج من جسده وصديد من جروحه، وأثار كدمات بصدره وذراعيه، وأثار ضرب بالعصا أو بالكرباج علي ظهره.

ذهبوا لطبيب العنبر ليبلغوه بما رأوا وطلبوا منه تقديم الرعاية الطبية والغيار على جروح موسى. فقال لهم الطبيب "إحنا مستشفي حميات مش مستشفي قرح"!!!

ذهب أطباء النديم إلى مستشفى حميات العباسية فإذا بتذكرة المريض مسجل عليها لحظة الدخول " تيفود وحرارة 38 وغيبوبة وقرح فراش". سألنا أحد الأطباء العاملين بالحميات عن سبب الغيبوبة والإصابات الموجودة بجسد موسى. قال: "دى مش أول حالة تصلنا بالشكل ده ومدير المستشفي يقول لنا إحنا مستشفي حميات ولسنا جهة إصدار تقارير طبية جنائية".

وأمام حملة نظمها مركز النديم حاولت حميات العباسية التخلص من موسى بتحويله إلي القصر العيني، فرفض القصر استقباله لأن قرح الفراش وصلت لدرجة الغرغرينا. فتم تحويله لحميات إمبابة ليلقى المزيد من الإهمال. واستمرينا في الحملة وفي مخاطبة وزير الصحة فتم نقل موسى لعنبر الجراحة بالمبنى الجديد في حميات إمبابة، وبعد فترة قصيرة تم نقله إلى للقسم المجاني بمستشفي العجوزة. وأعاد أطباء النديم الكرة فانتقل لحجرة خاصة بنفس المستشفى وتكفلت الشرطة بالتكاليف. وبعد محاولات متكررة للتخلص من "الحالة" تم نقل موسى للإسكندرية بعربة إسعاف دون موافقة الأهل، ومازال موسى على قيد الحياة وحالته كما سجلها آخر تقرير طبي " ضمور بالمخ، شلل رباعي".

موسى يعيش الآن مع أهله بعد أن أفاق من الغيبوبة. ولكن إصابة المخ جعلته سيئ الطباع، دائم السب لأهله تنتابه حالات من الهياج، ويعان من التهابات متكررة في الجهاز البولي لأنه يعيش بقسطرة حالب يضطر الأطباء لتغييرها من فترة لأخرى. موسى يتلقى العلاج في منزله، ودخل الأسرة لا يكاد يفي بأقل الاحتياجات الإنسانية. لم يصرف تعويض مناسب لموسى، ووالده غير قادر علي العمل. ولا يوجد أمل في شفائه ولا تملك أسرته إلا الدعاء إلى الله بأن يرحمه من عذابه.




















صورتان حديثتان للمواطن موسى أحمد موسى



أكرم زهيري والمتهمين في القضية 462 لسنة 2004 حصر أمن دولة عليا

بعد أن تقدم كل من الأستاذ الدكتور محمد مرسي وثلاثة آخرون

ببيانات عاجلة إلي السيد اللواء وزير الداخلية بخصوص تجاوزات وانتهاكات لحقوق الإنسان تمارس ضد بعض المتهمين في قضية الإخوان المسلمين، وتقديم نفس البلاغات للأستاذ الدكتور رئيس مجلس الشعب، وبعد تحويل تلك البلاغات للجنة الدفاع والأمن القومي وإنكار وزارة الداخلية للتهم الموجهة لأجهزتها، قرر رئيس مجلس الشعب أن تزور لجنة الدفاع والأمن القومي ومقدمي الشكاوى، ومن أراد من أعضاء المجلس سجن مزرعة طرة لتقصى الحقائق حول دعاوى حدوث انتهاكات في حق المحتجزين علي ذمة القضية.

وفي السطور التالية نضع أمام سيادتكم جزءا من المذكرة التي قدمتها لجنة تقصي الحقائق بعد لقاءها بأربعة من المحتجزين من أصل 58 محتجز، "وبلاغات التعذيب مقدمة بشأن ثمانية من المحتجزين". بعدها تمت تدخلات لإلغاء مهمة أعضاء المجلس في اللقاء بباقي المحتجزين. وننقل لكم هذا الجزء من المذكرة دون تدخل منا، مشيرين إلي أن الأجزاء المختارة هي التي تمس علاقة الأطباء بما حدث لهؤلاء من انتهاكات.

الأستاذ الدكتور/ رئيس المجلس

بداية وفي حجرة مأمور السجن، بحضور السيد اللواء محمود وجدى مدير مصلحة السجون، واللواء محمد هانى الدغيدى مدير منطقة سجون طره، والعميد مأمور سجن مزرعة طره وغيرهم من ضباط وزارة الداخلية التقينا بأحد المتهمين وهو الأستاذ الدكتور / أسامة نصر الدين الأستاذ بالمعهد العالي للصحة العامة بجامعة الإسكندرية والذي طلبنا مقابلته ليس للوقوف على حالته الشخصية، ولكن بصفته شاهد ورفيق المهندس / أكرم الزهيرى في زنزانته.

وكان السؤال الطبيعي ماذا حدث للمهندس أكرم زهيرى وأجاب: اكرم الله يرحمه معلوم ومثبت في محاضر النيابة أنه مريض بالسكر.

في يوم الاثنين 31/5/2004 خرج صباحا من السجن بأمر النيابة لاستكتابه، ولكن الذي خرج وهو بصحة جيدة عندما عاد إلينا الساعة 4.30 (أربعة ونصف عصرا)، عاد في صورة أصابتنا جميعا ونحن في الزنزانة بالفزع الشديد عندما رأيناه، فقد عاد محمولا على أربعة عساكر، وعندما وضعوه في الزنزانة وجدناه لا يستطيع الحركة ويصرخ من شدة الآلام سألته عن السبب فأجاب: عند عودتي من الاستكتاب وأنا في صندوق سيارة الترحيلات التي لا تصلح حتى لنقل البهائم ويسير بها السائق بسرعة جنونية، فجأة استخدم السائق الفرامل ليجد اكرم نفسه يرتطم في جوانب الصندوق الحديدي ليفقد بعدها الحركة.

وعنــــد الوصول للسجن أراد الحراس إنزاله، فأخبرهم انه لا يستطيع فقالوا له:" يابنى انزل ما تودناش فى داهية " أجاب وهو يصرخ لا أستطيع الحركة، فحملوه كما يحمل الجوال وهو مكسور. وتم عمل محضر له ثم أحضروه إلي الزنزانة، بعد ساعتين جاء الطبيب والذي تعامل معه على انه متمارض، وضغط عليه ليسير على قدمه فالأمر بسيط في نظر الطبيب.

ويضيف الدكتور أسامة أخبرته وأنا أستاذ في الطب أن هناك اشتباه بكسر ويجب أن تجرى له أشعة فقال لي "الحالة لا تستدعى عمل أشعة" .. ليحمل مرة ثانية إلى الزنزانة ورجونا إدارة السجن أن يأتوا له بكرسي حتى يستطيع أن يدخل به إلى الحمام، أرسل إلي الطبيب بحقنة مسكنة وهى من أخف المسكنات وسرنجة وقال لي ابقي أعطها له .

وفى يوم الثلاثاء 1/6 طلبت من إدارة السجن استدعاء استشاري عظام له فالآلام أصبحت في زيادة مستمرة وبالفعل حضر الاستشاري، فطلبت منه إرساله إلي المستشفى لعمل أشعة لان الآلام جعلته لا ينام، لكنه قال الحالة لا تستدعي ذلك.

وفى يوم الخميس 3/6 طلبنا الطبيب مرة ثانية فالمهندس اكرم يصرخ ولا يستطيع النوم. وعندها قال الطبيب إذن نرسله لعمل أشعة للاطمئنان.

وفى يوم الأحد 6/6 جاءت سيارة الترحيلات المعتادة لنقله إلى المستشفى وطلبوا المهندس اكرم زهيرى للذهاب به إلي المستشفى بناء على قرار النيابة لعلاجه من مرض السكر، لكن هو رحمه الله رفض الذهاب معهم ما دام الذهاب إلي المستشفى بنفس السيارة التي لا تصلح حتى لنقل البهائم والتي تسببت في كسوره وهو سليم وقال: "كيف أتحملها وأنا مكسور" وطلب أن تستدعى له سيارة إسعاف.

مات بعد ثمانية أيام من التعذيب الوحشي، فالتعذيب ليس هو الصعق بالكهرباء أو الكرباج فقط، ولكن نظن وسيادتكم أحد أعلام القانون تتفقون معنا أن ترك المصاب كل هذه المدة يتألم دون اتخاذ الإجراء الطبي المناسب هو قتل بالتعذيب، بل أشد أنواع التعذيب، بأن يترك المريض ليموت ببطء.

فتلك جريمة من أخس الجرائم فما بالنا إذا كان المريض مصاب بمرض السكر ومعلوم للعامة فضلا عن الأطباء أن مرض السكر له وضع خاص وأظن أن سيادتكم تتفقون معنا إن الامتناع عن إسعاف المصاب هو نوع من أنواع القتل السلبي. وهل هذه هي حسن المعاملة التي رددها مندوب وزارة الداخلية في رده على البيانات العاجلة ؟!

الأستاذ الدكتور / رئيس المجلس

بعد انصراف محمد أسامة( الشاهد الثاني*) احضروا لنا - بعد فترة"- المهندس/ مدحت الحداد،( وهو أحد الذين ذكروا في بيانات مركز النديم حين نما إلي علمنا أنه قد تعرض للتعذيب)، وقد بدأ موجها كلامة لجميع الحضور، مشترطاً ألا يكون حديثه للإعلام خشية على صورة مصر لأنه من الطبيعي إذا ذكر ما حدث له في وسائل الإعلام، ستعقد المقارنة الطبيعية بين ما حدث له في مقر مباحث أمن الدولة في مدينة نصر - (سمع من أحد معذبيه بأنه في مدينة نصر) - وبين سجن أبو غريب .

عرفنا بنفسه انه مهندس ورئيس مجلس إدارة الشركة العربية للإنشاء والتعمير، ومدير عام الشركة العربية للاستيراد والتصدير، ومرشح سابق لمجلس الشعب والشورى ( وهو من الشخصيات العامة في مدينة الإسكندرية ).

سألناه هل تم تعذيبه؟ فأجاب: يوم الخميس الماضي الساعة 6 مساءً وجدنا أفرادا من زنزانة رقم (4) التي تواجه زنزانتنا رقم (1) يخرجون وهذا أمر غير طبيعي، سألنا أحد الحراس قال: ربما للنيابة، فتعجبنا!!! وفى الساعة 11 مساءً طلبنا الضابط النوبتجى وسألناه عن سبب خروج هؤلاء فلم يرد علينا.

طلبناه مرة أخرى وألححنا عليه فقال خرجوا خارج السجن، سألناه بعد ذلك نريد إجابة في أي مكان خارج السجن؟ فأتت إجابته أن أرسل إلينا بكلب السجن وربطه على باب العنبر.!!!!!

وفى يوم الجمعة تقدمت أنا وزميلي الأستاذ / محمد زويل بطلب لمقابلة المأمور، وفى الساعة 2.30 رد علينا نائب المأمور وقال انه سيحدث المأمور، ثم طالت المدة فسألنا عليه فقالوا لنا انه قد انصرف.

وفى يوم السبت الساعة 12.30 أرسلنا شكوى للمأمور مكونة من شقين، الأول سوء حالة الطعام، والثانية بخصوص الذين خرجوا خارج السجن بالمخالفة للقانون، وبعدها استدعينا إلي غرفة المأمور للتحقيق في الشكوى.

ولكن على باب غرفة المأمور حدثت مهزلة، وأنا احدث البيه المأمور وجدت مقدم يريد أن يضع يدي في الكلابشات وهم البيه المأمور أن ينصرف ويتركني. نزعت يدي بسرعة وقلت أنا رايح فين، ولكن مصطفى بك جابر ضابط المباحث قال لي: عندكم ترحيلة سألته إلي أين؟ قال: النيابة عايزاكم .

قلت أستأذنكم إحضار متاعنا من الزنزانة فأخبرنا لا. سألته هل نحن مخطوفين؟ فكانت الإجابة من ضابط الترحيلة للعساكر اهجموا عليهم، لكننا جرينا ودخلنا غرفة المأمور، وقلت للمأمور أنا على ذمة النيابة. أنا لا أتحرك من هنا إلا بأمر النيابة وقلت له يا سيادة العميد عايزين يخطفونى من مكتب سيادتك، ولكنه قال لي وأنا حا اعمل إيه؟

هددونا إن لم نتحرك معهم، فأكدت للسيد مأمور السجن سأخطف من مكتب سيادتك فوضع يده على رأسه ولم يتكلم !!!!!

الأستاذ الدكتور/ رئيس المجلس

سمعنا هذا الكلام في وجود السيد / مأمور السجن الذي لم يعترض على كلمة واحدة مما قيل.

ويتابع المهندس/ مدحت لقد ألححت عليه أن يسمح لنا بدخول دورة المياه فسني 55 سنة واحتاج قبل أن أتحرك معهم إلى دخول دورة المياه فأنا اعلم ماذا سيحدث لي. ليؤذن لنا بعد إلحاح باستخدام دورة مياه ألبيه المأمور، ثم طلبت منه ورقتين، فسألني لماذا ؟ قلت له لأكتب وصيتي فأنا اعلم مصيري. وبالفعل كتبت وصيتي واستأمنته عليها ليعطيها إلى أهلي، وقد سأله في وجودنا أليست معك يا سيادة العميد الوصية كي تقرأها اللجنة، فأخبرنا أنها ليست معه الآن. ليستكمل سرد ما حدث له فيقول: انتقلنا إلى سجن استقبال طره، زميلي حاول أن ينام لكنه لم يستطع .

وفى الساعة الثانية عشر مساءً وجدنا باب الزنزانة يفتح، سحبونا وقالوا هاتوا كل واحد فانلة نظيفة. سرنا مسافة في استقبال طره وقد رأينا مع من يسوقنا أحزمة جلد بنى عريضة، عصبوا أعيننا بالفانلات ثم وضعوا الحزام الجلد أعلى الفانلة. خرجنا من بوابة استقبال طره وكأن زبانية جهنم قد استقبلتنا واسمع صوتا من أحد الذين يضربونني " إنسي اللي كنت فيه" ربطوا الكلابشات من الخلف وأنا اصرخ.

ثم سمعت صوت ضابط تقريبا يقول لهم خلوها من الأمام، ركبنا سيارة وأنا لا أرى شيئا لذلك لا اعرف كيف أضع قدمي على سلم السيارة فاضرب واشتم يا ابن ... ويا بن ... مش عارف تركب؟ أمرت بوضع الرأس بين الرجلين ثم أُلقيت على رأسي بطانية وظننت أنني سأعدم بهذه الطريقة. لنصل بعد نصف ساعة تقريبا إلي مكان عرفت ممن يتحدثون حولي إننا في مدينة نصر.

كنت مرعوبا جدا وعطشان جدا ولكن من شدة الرعب لم استطع أن اطلب الماء.