في عام 2007 ذهبنا، أعضاء فريق النديم، إلى المنصورة، مدينة ومركز وقرى، أكثر من مرة.. لم نكن أول ولا آخر من ذهب واهتم وتضامن مع أهالي المنصورة من نشطاء حقوق الإنسان ومراسلي الصحف والتليفزيون حين أصبحت تلك المدينة فجأة في بؤرة الضوء.. لم يكن عيدها القومي ولا افتتاح مركز علاجي جديد على مستوى مركز علاج الكلى.. لم يكن زلزال ولا أنفلونزا الطيور ولا تصادم قطارين.. كانت أحداث أبطالها هم رجال الشرطة: ضباط وأمناء وخفر ومخبرين.. "الحكومة" كما يطلق عليهم الأهالي في المنصورة وفي معظم أنحاء البلاد.. وكما كانت هناك أدوار بطولة كان هناك أيضا الكومبارس، ممن قاموا بأدوار مساعدة، مثل العمد وأعضاء مجلس الشعب والمجالس المحلية و"كبارات البلد" في القاموس الشعبي.. نتيجة تلك "البطولة" قتيلان، أحدهما طفل، بالإضافة إلى شاب انتهك عرضه قبل زواجه بيومين، وأم عذبت هي وطفلتيها وأخواتها، وعشرات تعرضوا للسب والضرب والتهديد، وإصابات احتاجت إلى تدخل جراحي عاجل.
لم تسفر تلك الأحداث عن القبض على أحد كبار تجار المخدرات أو السلاح.. ولا الكشف عن تنظيم إرهابي خطير.. ولا كشف المتورطين في كوارث القمح المسرطن أو الدماء الملوثة أو العبارات الغارقة أو القطارات المحروقة.. ولا توجد أي علاقة بين الضحايا الرئيسيين سوى أنهم من أبناء قرى وضواحي المنصورة الفقيرة مثل تلبانة وسلمون القماش وشها: طفل معوق يسترزق هو وأسرته من صدقات أهل الخير.. نجار يعول أسرة ممتدة ويجامل أهل قريته من صنع يديه.. سيدة أمية تتحدى الفقر والبطالة بماكينتين تريكو.. شاب لم ينتظر القوى العاملة ولا مساكن المحافظة وأعد بيتا من صنع يديه ليستقبل عروسه..
نماذج متنوعة الجنس والسن والتعليم والثقافة.. ما يجمع بينهم أنهم ليسوا من أصحاب النفوذ والثروة وأنهم برغم كل شيء كانوا لا يزالوا يرغبون في حياة كريمة..
ذهبنا نتقصى الحقائق ونساند الضحايا وأسرهم.. الحادث تلو الحادث.. لم يكن لدينا أي نية مسبقة لإصدار هذا الكتيب.. ولا أن يكون ردا على تصريحات وزارة الداخلية.. فلم نعد بحاجة لأن نناقش مقولات تنفي وجود تعذيب في مصر.. أو تعترف به بوصفه حوادث فردية وانحرافات شخصية "جاري التصدي لها بحزم".. إن كان محتوى هذا الكتيب يصلح لأن يكون بحثا ميدانيا يثبت فرضية "إن التعذيب في مصر منتشر ومنهجي" فنحن لم نحظ بشرف وضع خطة البحث ولا اختيار هذه العينة شديدة الدلالة.. فهي بكاملها من إبداع رجال الشرطة وتفانيهم في "عملهم" الذي استحق عن جدارة أن يورط النظام - الذي يحمونه ويحميهم- واضطره لتقديم بعضهم للمحاكمة..
| المرفق | الحجم |
|---|---|
| من المنصورة.pdf | 811.87 كيلوبايت |